قائمة الموقع

‎الربيع يتمرد.. كيف تحول أجمل فصول السنة إلى ساحة صراع مناخى عنيف؟

منذ 3 ساعة 1

في تحول مناخي لافت أثار دهشة الشارع والمراقبين، تشهد البلاد موجات حرارية قفزت بمؤشرات درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تراوحت بين 42 و44 درجة مئوية، وهي معدلات كانت تُسجل سابقاً في ذروة فصل الصيف.

‎وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن ما يشهده الطقس حالياً ليس مجرد "صيف مبكر"، بل هو انعكاس وتجسيد واضح للتغيرات المناخية العالمية التي جعلت من فصل الربيع ساحة صراع عنيف بين الكتل الهوائية، مما يفرض تحديات جسيمة على قطاعات الزراعة، والصحة العامة، والثروة الحيوانية.

‎لماذا بات الربيع أكثر تطرفاً؟

‎أوضح الدكتور محمد علي فهيم أن التصور الكلاسيكي لفصل الربيع كفترة انتقالية هادئة بين الشتاء والصيف قد تلاشت ملامحه.

‎ويعود هذا التحول إلى زيادة الطاقة الحرارية المخزنة في الغلاف الجوي جراء ظاهرة الاحترار العالمي. وتؤدي هذه الطاقة المرتفعة إلى تضخيم تأثير المرتفعات الجوية والكتل الهوائية الساخنة فور وصولها.

‎وبحسب فهيم، فإن الربيع بات الفصل الأكثر اضطراباً وتقلباً نتيجة التماس العنيف بين بقايا الهواء البارد الشتوي والكتل الصحراوية شديدة السخونة القادمة من الجنوب. هذا التباين الشديد لا ينتج عنه ارتفاع مستمر في الحرارة، وإنما يؤدي إلى ما يعرف بـ "التذبذبات الحرارية الحادة"، حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل قياسي ثم تنخفض بمقدار يصل إلى 10 درجات مئوية خلال أيام قليلة، يرافقها نشاط للرياح الساخنة والعواصف الترابية.

‎مخاطر تهدد الأمن الغذائي

‎وتعد المخاطر المحيطة بالثروة النباتية والمحاصيل الزراعية هي الأشد عمقاً، نظراً لحساسية النباتات العالية تجاه التغيرات الفجائية في الحرارة والرطوبة والإشعاع الشمسي.

‎وحدد رئيس مركز معلومات المناخ أبرز التداعيات السلبية على المحاصيل في عدد من النقاط وهى اختلال العمليات الحيوية للنبات حيث تتسبب الموجات الحارة الطويلة (نهاراً وليلاً) في زيادة معدلات "التنفس والهدم" داخل النبات، مما يجعله يستهلك طاقة وغذاءً يفوق ما ينتجه عبر عملية البناء الضوئي و ينعكس ذلك مباشرة على ضعف نمو وحجم الثمار، وتراجع نسب العقد، وتساقط الأزهار، وفشل امتلاء الحبوب كما في محاصيل القمح.

‎أضاف أن الاضطرابات الفسيولوجية ولسعات الشمس تؤدي الأشعة الشمسية قصيرة الموجة إلى احتراق أنسجة النبات وظهور لسعات الشمس على ثمار المحاصيل الاستراتيجية مثل المانجو، والزيتون، والعنب، ومحاصيل الخضر الطماطم.

‎و أوضح فهيم أن النباتات تلجأ تحت وطأة الإجهاد الحراري إلى غلق ثغورها كآلية دفاعية لمنع فقد المياه، مما يؤدي بدوره إلى تعطيل حركة امتصاص العناصر الغذائية من التربة حتى وإن كانت رطبة.

‎وأضاف أن هذا السلوك الدفاعي ينتج عنه ظهور أعراض نقص الكالسيوم والبورون والماغنسيوم، مما يتسبب في تشقق الثمار وإصابتها بالأعفان الفسيولوجية."

‎و يوفر المناخ الساخن المصحوب بالرطوبة بيئة مثالية لتسريع نشاط الأطوار الحشرية والفطرية، لا سيما العنكبوت الأحمر، وديدان الأوراق، والبق الدقيقي، فضلاً عن أمراض البياض الدقيقي والزغبي.

‎وأكد فهيم أن الإجهاد الحراري يهدد الإنسان والثروة الحيوانية والسمكية

‎ولم تتوقف تحذيرات مركز معلومات المناخ عند حدود الحقل، بل امتدت لتشمل الصحة العامة والثروات الحيوانية والداجنة والسمكية، جراء ما يُعرف بـ "الإجهاد الحراري" الذي يتجاوز قدرة الكائنات الحية على التكيف السريع حيث تتسبب الموجات الحارة في تراجع إنتاجية اللحوم والألبان، وضعف الخصوبة، وارتفاع معدلات النفوق في قطاع الدواجن. كما يؤدي ارتفاع حرارة المياه إلى نقص الأكسجين الذائب، مما يهدد المزارع السمكية بنفوق مفاجئ وضعف في مناعة الأسماك.

‎وعلى مستوى الصحة العامة يرفع الطقس المتطرف من احتمالات الإصابة بضربات الشمس، وإجهاد الدورة الدموية، وتفاقم الأزمات التنفسية والقلبية لدى الأطفال وكبار السن.

توصيات وإجراءات احترازية

وفي ختام تصريحاته ، شدد فهيم على أن إدارة هذه المرحلة تتطلب استجابة سريعة وإدارة ذكية للموارد المائية والزراعية.

وأصدر المركز حزمة من التوصيات العاجلة تتضمن الالتزام التام بالري في الأوقات الباردة (خلال فترة الصباح الباكر) مع تقريب الفترات بين الريات، ومنع الرش تماماً وقت الظهيرة، بالإضافة إلى وقف استخدام المبيدات الجهازية أثناء الموجات الحارة.

كما ينصح بدعم النبات عبر رش مركبات البوتاسيوم، والسليكات، والكالسيوم، والبورون، والماغنسيوم، مع زيادة وتكثيف عمليات التهوية داخل الصوب الزراعية، والمراقبة اللصيقة واليومية للمحاصيل لمكافحة الآفات مبكراً وعدم الإفراط في التسميد الأزوتي.

إرشادات السلامة الشخصية للمواطنين

تضمنت الارشادات ضرورة تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، وتحديداً وقت الظهيرة، مع الإكثار من شرب المياه والسوائل على مدار الساعة، وارتداء الملابس القطنية الخفيفة ذات الألوان الفاتحة.

كما ينصح بتوخي الحذر التام أثناء القيادة على الطرق السريعة بسبب الأتربة والرمال المثارة، مع إيلاء رعاية خاصة لفئات الأطفال، وكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة.

المصدر