هيمنة رقميّة صارخة: كشف تحليل حديث أن نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، القاعدة التي تستند إليها بيانات المؤسسات والمواطنين، تسيطر عليها ثلاث عمالقة أمريكية فقط، مقابل حصة لا تتجاوز 15% للمزودين المحليين، مما يثير تحذيرات من تحول هذه السيطرة إلى أداة للابتزاز الجيوسياسي.
يتصاعد داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي جدل حاد حول ضرورة تحقيق ما يُسمى بالسيادة التكنولوجية، للخروج من حالة الاعتماد شبه الكلي على البنى التحتية الرقمية التي تهيمن عليها الشركات الأمريكية. ويُحذر مؤيدو هذا التوجه من أن السيطرة على هذه البنى الحيوية من قبل جهات أجنبية يجعلها عرضة للاستخدام كورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، خاصة في ظل عالم متعدد الأقطاب تتزايد فيه التوترات.
وكانت عضوة البرلمان الأوروبي الفنلندية، أورا سالا، قد أثارت الانتباه بتصريحات لاذعة قالت فيها: “تعتقد هذه الشركات الأمريكية أننا مجرد حمقى، إذ نقدم لها جميع بياناتنا مجانًا ثم نشتري خدماتها”. وتؤكد سالا أن تطوير أوروبا لقدراتها التكنولوجية الخاصة يجب أن يكون أولوية استراتيجية خلال العقد المقبل.
وتتعاظم المخاوف مع التركيز الشديد للبنية التحتية، حيث تستحوذ خدمات “غوغل كلاود”، و“أمازون ويب سيرفيسز” (AWS)، و“مايكروسوفت أزور” على الحصة الأكبر من السوق. ويُذكر أن انقطاعًا في خدمات أمازون في أكتوبر 2025 أدى إلى تعطيل تطبيقات مصرفية وأجهزة طبية، مما كشف عن الهشاشة الكامنة في هذا النموذج المركزي.
وأوضح الخبير في الأمن السيبراني، روتيم فاركاش، أن “الحوسبة السحابية تعتمد على بنية تحتية مادية محددة وصيانة مستمرة، ويمكن أن تتعرض للاضطراب في أي وقت. تعني المركزية مزيدًا من الهشاشة”.
ولا تقتصر التبعية على الجانب التقني فحسب، بل تمتد إلى احتكار المعلومات، حيث تتحكم الخوارزميات الأمريكية في ما يراه المستخدمون الأوروبيون على المنصات الرقمية، مما يخلق قوة غير مسبوقة وغير شفافة يمكن تسخيرها لأغراض تجارية أو سياسية.
على الصعيد الاقتصادي، يبرر الداعون للاستقلال التكنولوجي موقفهم بفجوة النمو الهائلة. ويشير سيب جونسون من مؤسسة “Scaling Europe” إلى أن “80% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال العام 2025 جاء من مراكز البيانات وحدها”. مضيفًا أن أوروبا، دون سعي حثيث لسيادتها التكنولوجية، تتخلى عن قطاعات اقتصادية كاملة لصالح المنافسين الأمريكيين، خاصة مع موجة الذكاء الاصطناعي الجديدة.
وتتفوق الولايات المتحدة بشكل ساحق بامتلاكها ست شركات تكنولوجية تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، بينما لا تمتلك أوروبا أي شركة بهذا الحجم، وتتجاوز إيرادات بعض هذه العمالقة 150 مليار دولار سنويًا.
وبالتالي، لم يعد السؤال بالنسبة للكثيرين في بروكسل حول «إذا» يجب على أوروبا أن تبني بنيتها الرقمية المستقلة، بل حول «كيف» و«متى»، في سباق مع الزمن لتحصين اقتصادها وأمنها القومي في العصر الرقمي.
قطر
منذ 6 ساعة
2
Arabic (EG) ·
English (US) ·