قائمة الموقع

حضور فرعوني راسخ.. مجسمات أبي الهول تزيّن ميدان شاتليه أشهر ساحات باريس

منذ 2 ساعة 1

في ميدان شاتليه، أحد أشهر ساحات باريس وأكثرها حيوية، بجوار مسرح المدينة وعلى مقربة من ضفاف نهر السين، تتوسط نافورة النخيل شاهدةً على شغف فرنسي لا ينتهي بحضارة جاءت من ضفاف النيل؛ حضارة تجاوزت حدودها الجغرافية فلم تبقَ حبيسة مصر، وتخطّت حدودها الزمنية فلم تنتهِ بانتهاء عصر الفراعنة، بل امتدّ أثرها حتى استقرّ في قلب عاصمة النور، ليبقى حيًّا في معالمها.

فمنذ أن أُقيمت هذه النافورة عام 1808م، ثم أُضيفت إلى قاعدتها تماثيل أبي الهول الأربعة عام 1858م، وهي تقف شامخة في قلب الميدان؛ تعلوها زخارف النخيل، وتنفث التماثيل المياه في مشهد يختلط فيه الفن بالتاريخ، ويضفي على المكان طابعًا فرعونيًا مميزًا يستوقف كل عابر.

حضور ليس مجرد صدفة جمالية، بل هو امتداد لمرحلة تاريخية عُرفت بالافتتان الفرنسي بالحضارة المصرية أو الهوس بالمصريات، التي أعقبت الحملة الفرنسية على مصر ، فجعلت من الرموز الفرعونية مصدر إلهام راسخا في الفن والعمارة في فرنسا على مدى قرنين.

هنا تتجلى الآثار المصرية المنتشرة في الخارج، وكل عمل يستوحى من الحضارة الفرعونية، بوصفهما أداةً للقوة الناعمة بامتياز؛ قوة لا تحتاج إلى خطاب ولا إلى دعاية، بل تعمل بصمت عبر الرموز والجمال والدهشة، حاضرةً في مخيّلة البشر قبل أن تطأ أقدامهم أرض مصر، تحكي نفسها دون وسيط، وتملك الحضور في الأذهان قبل الوجود على أرضها.

وأمام نافورة النخيل، تقول “كلير” (38 عامًا)، وهي معلمة فرنسية جاءت برفقة طلابها في المرحلة الابتدائية، لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط بفرنسا، : “أحرص دائمًا على المجيء إلى هنا خلال الجولات المدرسية.. هذه التماثيل تفتح بابًا للحديث عن مصر القديمة بطريقة حية، وكأن التاريخ خرج من الكتب إلى الشارع”.

وتضيف “مارين” (21 عامًا)، الطالبة الإسبانية المقيمة في فرنسا، وهي تتأمل التماثيل باهتمام، قائلة: “هناك شيء غامض في هذه التماثيل يجعلني أرغب في اكتشاف أصلها الحقيقي.. أعتقد أن مصر بلد يحمل كنوزا وأسرارًا لا بد من الذهاب إليها للوقوف عليها.”

وعلى مقعد أمام نافورة النخيل، يجلس “فريدريك” (73 عامًا)، يراقب النافورة بنظرة العارف، ويقول لـ أ ش أ، بهدوء: “عندما تُشرق الشمس على باريس ويعتدل الطقس، لا أتردد في المجيء إلى هنا لأتذكر رحلتي إلى القاهرة والأقصر، حيث رأيت عظمة الفراعنة بعيني.”

أما “ستيفاني” (43 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، فتبتسم وهي تروي: “أطفالي مفتونون بالأهرامات وبأبي الهول. يسألونني دائمًا إن كانت هناك تماثيل أكبر من أبي الهول في مصر، وأعدهم بأننا سنذهب لرؤيتها يومًا ما”. بينما يؤكد طفلها البالغ من العمر تسع سنوات: “نعم، سأذهب إلى مصر خاصة لرؤية المومياوات.”

الولع بالحضارة المصرية لا يقتصر على المارّة والزوار، بل يتجذّر في الوجدان الفرنسي منذ الصغر؛ ففي المدارس والمتاحف والكتب والأفلام الوثائقية، تحضر مصر القديمة كواحدة من أكثر الحضارات جذبًا للخيال الفرنسي؛ يجد فيها الأطفال عالمًا من الأهرامات والملوك العظام والأسرار، ويجد فيها الكبار سحرًا وعمقًا تاريخيًا وروحيًا نادرًا.

ولا تقف ملامح مصر عند حدود هذه النافورة بتماثيلها المستوحاة من أبي الهول، بل تمتد إلى معالم أخرى في العاصمة؛ أبرزها مسلة الأقصر التي تتوسط ساحة الكونكورد في نهاية شارع الشانزليزيه. كما تتجلى هذه الجاذبية بوضوح في الإقبال الكبير على الأجنحة المصرية داخل متحف اللوفر، حيث يقف الزوار طويلًا أمام التماثيل والمومياوات، في محاولة لفهم سرّ حضارة لا تزال تحتفظ بكثير من الغموض والهيبة.

هذا الانتشار يعكس عمق العلاقة الثقافية بين مصر وفرنسا، ويؤكد أن الحضارة المصرية لم تكن مجرد فصلٍ عابر في التاريخ الفرنسي، بل باتت جزءًا من نسيجه الثقافي الحي.

ومع غروب الشمس وانعكاس الأضواء على ميدان شاتليه، تبدو “نافورة النخيل” أكثر من مجرد معلم سياحي؛ إنها نقطة التقاء بين حضارتين، وجسر بصري يربط بين نهري النيل والسين، وبين الماضي والحاضر.

ففي هذا الركن من باريس، لا تُروى الحكاية بالكلمات وحدها، بل بالماء والحجر والرموز؛ ثمة شيء خفيّ يستوقف العابرين ويدفعهم إلى التساؤل، ثم إلى البحث، ثم إلى الحلم بالوصول إلى مصر وكنوزها.

وهكذا تظل مصر، أم الدنيا، تؤكد مرة بعد أخرى أن تأثيرها لا يُقاس بالمسافة، بل بقدرتها الدائمة على الحضور بتاريخها وحضارتها، اللتين يسبقانها إلى كل مكان، حتى في قلب عاصمة النور باريس.

المصدر