قبل 22 عاما، كانت صرخات طفلة رضيعة ملقاه على الأرض أمام مكتب محامي، تتردد في أرجاء حارة محمد عسكر بحي الوراق، لتأخذها ربة منزل وتقرر تربيتها وسط أبنائها وتسميها "رحمة"، ليشهد اسمها على رحمة غابت من قلب والديها، فالأم تخلصت منها لأنها جاءت من زواج عرفي.
"أمي رمتني أمام العقار اللي فيه مكتب المحامي اللي زوجها عرفيًا، تلبية لأمر أهلها الذين طلبوا منها التخلص مني"، بهذه الكلمات بدأت رحمة فى وصف معانتها مع مصيرها المجهول.
تلتقط أطراف الحديث "أم حماده"، السيدة التى قامت بتربيتها لتدخل فى نوبة من البكاء، قائله: أنا وجدت رحمة طفلة صغيرة وربتها زى أولادى، وكنت شايلة همها وخايفة عليها، لو حصلى حاجة هى هتتعب من بعدى، كان نفسى رحمة تتربي مع والدها ووالدتها، والله ما قصرتش معاها في حاجة".

رحمة بعد العثور عليها في الشارع
الوراق مسقط رأسها بدون وثيقة ميلاد
بعد أسبوع من إلقاء "رحمة " في الشارع نهاية عام 2003، عادت والدتها "هند.أ" لرؤيتها، ليقوم أهل الحارة بتعنيفها ولومها على إلقاء طفلتها في الشارع، لترحل الأم دون رجعة، ودون إلقاء نظرة وداع لطفلتها الرضيعة، لتكبر "الطفلة" وهي تشاهد نظرات الشفقة في أعين جيرانها وسكان حارتها.
حرمت "رحمة"، من التعليم بسبب عدم امتلاكها لشهادة ميلاد، كان حلمها أن تصبح طبيبة أطفال لتعوضهم حنان الأمومة الذي افتقدته، منذ ولادتها، عاشرت رحمة 19 سنة من عمرها وهي لا تعرف قصتها المأساوية، وكانت تعتقد أن السيدة التي ربتها هي والدتها، قبل أن تعرف الحقيقة بالصدفة.

رحمة في مرحلة الطفولة
فرحة تنكأ جراج الماضي
دخلت فرحة مؤقته قلب "رحمة"، بعدم تقدم عريس لخطبتها، لتوافق عليه فالشاب به مواصفات فتي أحلامها المناسب، حضر العريس للبيت الذي تسكن فيه للاتفاق على تفاصيل الخطوبة تمهيدا للزواج. ولم يمهلها القدر اكتمال فرحتها، واكتشف عريسها قصتها المأساوية. فيقرر الرحيل لينكأ قلبها جرح كاد أن يندمل ويزيد آلامًا مازالت تنزف دما منذ طفولتها.
استمرت في جراحها حتي أطل لها القدرة تارة أخرى، فذات يوم من عام 2023، تقدم لها عريس أخر وكان يعلم قصتها، فعرف قلبها طريق الفرح من جديد، وبالفعل تمت الخطوبة، ومع أول خلاف بينهما طعنها بسكين مفلول، وعايرها بنسبها، لتقرر فسخ الارتباط به.

رحمة تتأمل عقد طلاق والديها
حادثة دفعتها لرحلة بحثها عن نسبها
عايرها عريسها الثاني بنسبها ليخلف بها جراحاً غائرة، وزاد الطينة بلة ما تعرضت له رحمة أثناء حادث سير قبل عامين. دخلت على إثره إحدى المستشفيات لتلقي العلاج حيث رُفض دخولها دون بطاقة الهوية، ما جعلها تبدأ رحلة البحث عن إثبات نسبها لاستخراج شهادة ميلاد وبطاقة باسم والدها ووالدتها الحقيقيين.
البحث في الماضي
تحدثت "رحمة" مع السيدة التي ربتها عن ليلية العثور عليها، لتخبرها باسم المحامي الذي زوج والديها عرفًيًا قبل 22 سنة، وأن المحامي ترك "الحارة" منذ سنوات، وشقيقته تسكن في نفس المنطقة، وبعد أيام من البحث توصلت لعنوان شقيقة المحامي، ولكنها اكتشفت وفاتها، ليس هذا فحسب بل أن المحامي توفي قبل بضعة سنوات؛ ليتسلل لها اليأس ولكنها لم تفقد الأمل.

رحمة في حضن أم حماده السيدة التى ربتها
نجل المحامي المتوفي يمنحها قبلة الحياة
في لحظة شعرت "رحمة" أنها داخل دائرة مغلقة لن تستطيع الخروج منها وأن حلمها في إثبات نسبها ذهب هباء منثورا بوفاة المحامي، ولكن الأمل عاد لها من جديد بعدما أن أعطاها أحد سكان المنطقة عنوان نجل المحامي المتوفي، لتذهب إليه وتحكي له قصتها، فيقرر مساعدتها والبحث عن أوراق زواج والدتها في مكتب والده، وبعد أيام تلقت منه اتصالا هاتفيا، يخبرها بالعثور على الأوراق، وتبين أن عقد زواج والدتها العرفي موثق في المحكمة، كما عثر على ورقة طلاق رسمية لوالديها موثقة من محكمة الأسرة.
عايشة كأني ميتة بدون نسب
تحلم الفتاة باستخراج شهادة ميلاد باسم والدها الحقيقي، وليس أسم مركبًا.. "إحساسي وأنا بدور على والدي ووالدتي صعب هما مش فارق معاهم إنهم رموني، ومش فارق أنا عايشه ولا ميتة بس أنا بدور عليهم".. هكذا وصفت "رحمة" حالها أثناء رحلة بحثها عن أثبات نسبها مضيفة: عرفت أن أبويا توفي لم يتزوج بعد والدتي، وأمي عايشه وإن شاء الله هوصل لها وهتلاقيني جنبها رغم أنها رمتني أنا مش بكرهها وربنا هيسامحها على اللي عملته فيا".
وفى اعتراف بالجميل للأسرة التي احتضنتها تقول: " الأسرة اللي احتضنتني كان عندهم 3 أولاد واعتبروني بنتهم، رغم أن الست اللي ربتنى مقصرتش معايا بس كان نفسي أن أمي تكون معايا، في حاجات البنت بتكون محتاجاها من أمها.. كان نفسي أشوف بابا الله يرحمه وأنا مسامحاه.. أنا شفت صورة أمي من ورقة الطلاق انصدمت هي أنا مفيش فرق بينا نفس الملامح ونفس الشكل".

رحمة والسيدة التى عثرت عليها قبل 22 سنة
وتكشف الأوراق الرسمية التي عُثر عليها -صدفة-أن والد "رحمة"، ويدعي "أحمد.ص"، توفي منذ سنوات، لم يتزوج بعد زواجه العرفي من والدة "رحمة"؛ فأصبح الحصول علي تحليل الـ "dna" لإثبات نسبها لأبيها صعب تحقيقه، فلم يكن أمامها سوى البحث عن والدتها التي توصلت لمكان إقامتها بعد بحث استمر لأكثر من ثلاثة سنوات، ولكنها تلقت صدمة جديدة بعد تهرب والدتها منها، ورفضت الاعتراف بها.
وأخيرًا، رفعت "رحمة"، دعوي إثبات نسب، وبدأت في إجراءات القضية، لتتمكن من عمل تحليل الـ"dna " لوالدتها، لإثبات نسبها لأبيها بورقة الزواج العرفي الموثقة من محكمة الأسرة، ومازالت تتمسك بحلمها وحقها في الحياة.

رحمة ضحية الزواج العرفي
قطر
منذ 1 ساعة
1
Arabic (EG) ·
English (US) ·